وسط عشرات الآلاف من الصور والفيديوهات ورسائل البريد الإلكتروني الصادمة التي تضمنتها "ملفات إبستين"، برزت رسالة تقشعر لها الأبدان تقول: "أحببتُ فيديو التعذيب".
وكان اسم الشخص الذي تلقى هذه الرسالة من جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، قد حُجب عند إفراج وزارة العدل الأمريكية عن 3 ملايين ملف في 30 يناير الماضي. أما الآن، فقد تم تحديد هوية هذا الرجل، الذي يعد أحد أقوى رجال الأعمال في الشرق الأوسط.
سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية التي تدير شبكة عالمية واسعة من الموانئ وشركات الشحن والخدمات اللوجستية، هو أحد "الرجال الستة الأثرياء والنافذين" الذين حُجبت أسماؤهم في البداية قبل أن تُكشف هوياتهم يوم الثلاثاء.
وكشف النائب الديمقراطي رو خانا، الذي ساهم في الدفع نحو الإفراج عن ملفات إبستين، عن اسم بن سليم تحت قبة مجلس النواب، حيث يتمتع أعضاء الكونغرس بحماية قانونية من ملاحقات التشهير. وكانت وزارة العدل قد سمحت للمشرعين بالاطلاع على النسخ غير المحجوبة من الملفات لأول مرة يوم الاثنين، مما مكن "خانا" والنائب الجمهوري توماس ماسي من تحديد هويات الرجال الذين كانت أسماؤهم مخفية.
وأوضح خانا أن وزارة العدل أخفت أسماء هؤلاء الرجال "دون سبب واضح"، مشيراً إلى أن اسم بن سليم يظهر بشكل مكثف في الملفات، إلى جانب صور تجمعه بإبستين.
وقد تبادل بن سليم الرسائل الإلكترونية مع إبستين لأكثر من عقد من الزمان، حتى بعد سجن الأخير في عام 2008. وفي أبريل 2009، وبينما كان إبستين يقضي عقوبة بالسجن لمدة 18 شهراً في سجن بالم بيتش مع السماح له بالخروج المؤقت للعمل، أرسل رسالة إلى بن سليم سأله فيها: "أين أنت؟ هل أنت بخير؟ لقد أحببت فيديو التعذيب".
وينتمي بن سليم إلى عائلة إماراتيّة ذات نفوذ واسع؛ حيث كان والده مستشاراً للعائلة الحاكمة في دبي، بينما يشغل شقيقه منصب رئيس الاتحاد الدولي للسيارات (FIA).
وفي رسالة تضمنتها ملفات وزارة العدل، أشار إبستين إلى أنه يعرف بن سليم منذ عام 2002، واصفاً إياه بأنه "صديق شخصي مقرب". وكتب إبستين في عام 2010، ضمن ما يبدو أنها رسالة تزكية لمحاولات بن سليم استئجار عقار غير محدد: "سلطان بن سليم يمتلك ثروة صافية تتجاوز 100 مليون دولار. أعرفه منذ أكثر من 8 سنوات، وأنا أزكيه شخصياً وأضمن أي معلومات يقدمها فيما يتعلق بهذا الطلب".
ومنذ تولي بن سليم رئاسة "موانئ دبي العالمية" في عام 2007، تحولت الشركة إلى واحد من أكبر مشغلي الموانئ في العالم. كما تمتلك المجموعة شركة الشحن البريطانية "بي آند أو فيريز" (P&O Ferries)، التي أثارت جدلاً واسعاً في عام 2022 بعد فصلها 800 بحار بإخطار لم تتجاوز مدته 30 دقيقة؛ وهو الإجراء الذي وصفه وزير النقل البريطاني آنذاك، غرانت شابس، بأنه "مخزٍ".
وفي رسالة وجهتها نقابة العمال إلى بن سليم، وُصفت عمليات الفصل بأنها "قاسية ومثيرة للازدراء"، وأضافت النقابة: "هذا السلوك لا يفتقر إلى اللياقة الأساسية فحسب، بل يبدو انتهاكاً صارخاً لقانون العمل في المملكة المتحدة"، وهو ما نفته الشركة حينها.
وفي عام 2008، التقطت صور لبن سليم مع دونالد ترامب خلال حفل لافتتاح فندق وبرج ترامب الدولي في دبي. وكان مايكل وولف، كاتب سيرة ترامب الذي أجرى مقابلات مع إبستين استغرقت أكثر من 100 ساعة، قد ذكر سابقاً أن ترامب وإبستين كانا يتشاركان "هوساً دائماً" بملاحقة عارضات الأزياء.
ووفقاً لمجموعة منفصلة من الرسائل حصلت عليها "بلومبرغ"، كان بن سليم قد راسل إبستين في عام 2007 بشأن محاولاته لقاء إحدى عارضات الأزياء. وكتب إبستين لبن سليم في نوفمبر 2007: "لقد حكت لي قصة مضحكة"، ليرد بن سليم: "نعم، بعد محاولات استمرت لعدة أشهر، تمكنا من اللقاء في نيويورك. كان هناك سوء تفاهم؛ فهي كانت تريد بعض الأعمال (BUSINESS)، بينما كنت أريد فقط بعض الجنس (PUSSYNESS)!".
فأجابه إبستين: "الحمد لله، لا يزال هناك أشخاص مثلك".
واستمرت المراسلات بينهما حتى بعد إدانة إبستين؛ ففي عام 2015، وصف بن سليم إحدى لقاءاته لإبستين بأنها "أفضل علاقة جنسية حظيت بها في حياتي". ولاحقاً، في عام 2017، يبدو أنه ساعد في ترتيب وظيفة لمدلكة روسية من "المنتجع الخاص" لإبستين كمتدربة في فندق خمس نجوم في تركيا لكي "تكتسب خبرات أفضل"، حسبما كتب في رسالته.
ومن بين الأسماء الأخرى التي كُشف عنها يوم الثلاثاء، الملياردير ليس ويكسنر، قطب قطاع التجزئة، الذي ارتبط اسمه بإبستين سابقاً في تقارير كشفت أن إبستين كان يخبر النساء بأنه يعمل ككشاف مواهب لعلامة الملابس الداخلية "فيكتوريا سيكريت" المملوكة لويكسنر.
يُذكر أنه لم تُوجه أي اتهامات رسمية بارتكاب مخالفات لكل من ويكسنر أو بن سليم، كما لم يُدانا بأي جرائم تتعلق بقضية إبستين.
ومع ذلك، أشار النائب رو خانا إلى احتمال وجود المزيد من الأسماء التي يجب الكشف عنها، قائلاً: "إذا وجدنا ستة رجال كانوا يخفونهم في غضون ساعتين، فتخيل عدد الرجال الذين يتسترون عليهم في تلك الملايين الثلاثة من الملفات".
وأضاف خانا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) قام بتنقية الملفات قبل تسليمها لوزارة العدل، بما في ذلك ملفات "تسمي رجالاً أثرياء ونافذين ذهبوا إلى جزيرة إبستين، وإلى مزرعته، وإلى منزله، حيث اغتصبوا واعتدوا على فتيات قاصرات". وختم خانا حديثه متسائلاً: "كلهم مختبئون، وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: مَن الذين يحمونهم؟".
هذا وقد تم التواصل مع شركة "موانئ دبي العالمية" للحصول على تعليق لصحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية.